الجمعة، 20 مارس 2015

لا إله إلا الله : إعرابها ومعناها وأركانها وشروطها

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الواحد الأحد الحي القيم الصمد وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ،تنزه عن الصاحبة والولد ،وأشهد أن محمد عبده ورسوله المبعوث في أكرم بلد وعلى آله وأصحابه خير الصحب والسند.
أما بعد،،،
لا إله إلا الله هي كلمة التوحيد وهي أساس الدين وأصل الملة وهي كلمة التقوى والعروة الوثقى.
وهي أعظم أركان الإسلام وأعلى شعب الإيمان.
وهي باب الإسلام وهي مفتاح دار السلام.
وهي التي لأجلها خلقت الخليقة وأرسل الرسل وأنزلت الكتب وافترق الناس إلى مؤمنين وكفار ولأجلها قام سوق الجهاد.

هذه الكلمة العظيمة لا تنفع صاحبها حتى يعرف ما تدل عليه من إفراد الله عز وجل بالعبادة وحده لا شريك له وأن يعمل بمقتضى ما دلت عليه هذه الكلمة فلا يعبد أحداً سواه كائنا من كان لا ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا صالح ولا شجر ولا حجر ولا شمس ولا قمر ولا غير ذلك ،فلا أحد يستحق العبادة إلا هو سبحانه وتعالى.

قال تعالى : (وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ).
وقال تعالى : (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا)
وقال تعالى : (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ۖ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا).
وغير ذلك من الآيات الدالة على إفراد الله عز وجل بالعبادة وحده لا شريك له.

إعرابها:-
(لا) النافية للجنس.
(إله) اسمها يبنى معها على الفتح وهو في محل نصب
وخبره المقدر (حقٌ )
قال تعالى : (ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ)
قال الإمام عبد اللطيف بن عبدالرحمن آل الشيخ:
والصواب أن يقدر الخبر : "حقٌ" لأن النزاع بين الرسل وأقوامهم في كون آلهتهم حقا أو باطلا ،قال تعالى :
(وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ).اهـ
(فتح الملك الوهاب في رد شبهة المرتاب ٣٩)

فالإله اسم جنس بمعنى المعبود سواء كان حقا أو باطلا وهو  مشتق من الإلهة بمعنى العبادة.
قال الفيروز أبادي في "القاموس " :
أله يأله إلاهة وألوهية: عبد يعبد عبادة وكل من عبد شيئا فقد اتخذه إلها. اهـ
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: الإلهُ هو الذي تألهه القلوب محبةً وذلاً وإنابةً وتعظيماً وتوكلاً وخوفاً ورجاءً.اهـ

(إلا) أداة الاستثناء وما بعدها هو المستثنى والاستثناء مفرغ.

(الله) بدل من " لا " مع اسمها لأنهما في محل رفع مبتدأ.

معناها :-
(لا إله إلا الله ) أي لا معبود بحق إلا الله
والعبادة مشتقة من التعبيد وهو التذليل ومنه يسمى الطريق المذلل للسالكين طريق معبد ،قال الجوهري : أصل العبودية :الخضوع والتذلل.
وفي الاصطلاح هي غاية التذلل والخضوع مع غاية المحبة والتعظيم ،قال ابن القيم رحمه الله :
وعـبادة الرحمن غاية حـبه***مع ذل عابده هما قطبان
وعـليهما فلك العبادة دائر***ما دار حتى قامت القطبان
ومداره بالأمر أمر رسوله***لا بالهوى والنفس والشيطان

قال الإمام عبداللطيف بن عبدالرحمن آل الشيخ:
وبهذا يتبين أن المقصود نفي استحقاق العبادة عن غيره تعالى لا نفي وجود التأله والتعبد لسواه فإن نفي وجوده مكابرة للحس والنص ،قال تعالى : (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا) وقال : (أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ) وقال عن صاحب يٓس : (أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً ) ،فسمى معبوداتهم -على اختلاف أجناسها-آلهة وعبادة غير الله وجدت واشتهرت في الأرض من عهد قوم نوح ،وقد تقدم أن من عبد شيئا فقد اتخذه إلهاً. اهـ
الملك الوهاب ٣٨
وعرف شيخ الإسلام رحمه الله العبادة بقوله :اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من القوال والأعمال الظاهرة والباطنة.
وهذا كالخوف والرجاء والتوكل والاستعانة وغيرها من أعمال القلوب وكالصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد وغيرها من أعمال الجوارح.

أركانها :-
لهذه الكلمة العظيمة ركانان هما :-
الأول : النفي وهو مستفاد من شطرها الأول (لا إله) فهي تنفي الألوهية عن كل أحد لا يستحقها.

الثاني : الإثبات وهو مستفاد من شطرها الثاني (إلا الله) فهي تثبت الألوهية الحقة لله وحده لا شريك له فهو وحده سبحانه وتعالى المستحق للعبادة دون من سواه.

شروطها :-
مما لا شك فيه أن كلمة التوحيد لا تنفع صاحبها حتى يعرف معناها ويعمل بمقتضاها قولاً وفعلاً ،فالقول يكون بالقلب واللسان ،والفعل يكون بعمل القلب واللسان والجوارح ، فإن ثمرة العلم النافع هو العمل الصالح ولا يتحقق ذلك كله إلا بمعرفة شروطها التي قيدت بها ،فهذه الكلمة العظيمة باستقراء أهل التحقيق من العلماء لها سبعة شروط جمعها العلامة حافظ الحكمي رحمه الله بقوله:

العـلم واليـقين والقـبول***والإنقياد فادري ما أقولُ
الصدق والإخلاص والمحبة***وفـقك اللـه لمـا أحـبه

فأول هذه الشروط هو:
العلم المنافي للجهل ،فيكون عالماً بالمراد منها وما دلة عليه من النفي والإثبات ،قال تعالى : (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ )

وفي الصحيح عن عثمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة.

الثاني :اليقين المنافي للشك فالشاك ليس مؤمناً قال الله عز وجل عن المنافقين : (إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ)

وقال عز وجل عن المؤمنين: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ)
وفي الصحيح قال صلى الله عليه وسلم: أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ،لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة.
فلا بد من اليقين الجازم بما دلت عليه هذه الكلمة العظيمة من غير شك ولا ريب.

الثالث: القبول المنافي للرد والاستكبار والتكذيب فقد بين الله عز وجل حال المشركين الذين لم يقبلوا هذه الكلمة العظيمة مع علمهم بها وبما دلت عليه واستكبروا عن قبولها والإذعان لها، فقال عز قوله: (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ) إلى قوله تعالى : (إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ). وغير ذلك من الآيات التي توضح هذا المعنى وتجليه.

الرابع :الانقياد المنافي للترك قال تعالى : (وَأَنِيبُوا إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ ) وقال تعالى : (وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ ۗ وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ)
وجاء في معنى (يسلم وجهه) أي ينقاد.
ومعنى (وهو محسن ) أي وهو موحد.

الخامس : الصدق المنافي للكذب ،وهو أن يقولها صادقاً من قلبه لا كحال المنافقين الذين يقولونها بأفواههم وقلوبهم خاوية منها قال تعالى عنهم : (يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ۗ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ).
وجاء في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله صدقاً من قلبه إلا حرمه الله على النار.

السادس : الإخلاص المنافي للشرك ،قال تعالى : (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ )
وفي الصحيح : قال النبي صلى الله عليه وسلم : أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه أو نفسه.

السابع : المحبة المنافية للبغض والكره لهذه الكلمة العظيمة وما دلت عليه وما تقتضيه والمستلزمة لمحبة أهلها العاملين بها قال تعالى : (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ).
ومن لوازم محبة الله سبحانه وتعالى محبة ومولاة أولياء الله المتبعين سنة رسول الله وبغض ومعاداة أعداء الله وأعداء رسوله صلى الله عليه وسلم ولو كانوا أقرب قريب ،قال تعالى : (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ ۖ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ أُولَٰئِكَ حِزْبُ اللَّهِ ۚ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).

وزاد بعض أهل العلم والفضل شرطاً ثامناً لهذه الكلمة العظيمة وهو : الكفر بالطاغوت ،قال تعالى : (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انْفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ).
وقال تعالى : (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتََ).
والطاغوت مشتق من الطغيان وهو مجاوزة الحد.
قال مالك : كل ما عُبد من دون الله.
قال ابن كثير : الطاغوت :الشيطان وما زينه من عبادة غير الله.
وقال ابن القيم: الطاغوت : ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع.

اللهم انفعنا بما نقول ونسمع واغفر لنا وارحمنا
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
والحمد لله رب العالمين

كتبه بندر بن محمد الميموني